في إطار سعي الدولة إلى معالجة النقص الهيكلي في الإطارات الفنية داخل الجماعات المحلية، أعلنت وزارة الداخلية عن تنظيم مناظرة خارجية بالاختبارات لانتداب مهندسين أول بالسلك المشترك لمهندسي الإدارات العمومية، لفائدة عدد كبير من البلديات. ويُنظر إلى هذه المناظرة باعتبارها من أكبر الانتدابات التقنية الموجهة للسلطة المحلية خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث عدد الخطط أو من حيث الرهانات المرتبطة بها.
145 خطة مفتوحة: قراءة في التوزيع والاختصاصات
تشمل المناظرة انتداب 145 مهندسًا أول، سيتم توزيعهم على بلديات مختلفة بمختلف جهات البلاد. ويكشف توزيع الخطط حسب الاختصاص عن أولويات العمل البلدي في المرحلة القادمة، إذ خُصصت الغالبية الساحقة من الخطط للهندسة المدنية، بما يعكس الحاجة الماسّة لمهندسين قادرين على متابعة مشاريع البنية التحتية، والتهيئة العمرانية، والطرقات، والتطهير، والمشاريع البلدية الكبرى.
في المقابل، تم تخصيص عدد محدود من الخطط للهندسة الإعلامية، في إشارة إلى التوجه التدريجي نحو رقمنة الإدارة البلدية وتحسين نظم التصرف المعلوماتي، إلى جانب خطة واحدة في الهندسة الميكانيكية لدعم الجانب اللوجستي والفني المتعلق بالآليات والمعدات.
التسجيل الإلكتروني: مسار رقمي يفرض الدقة والانتباه
اعتمدت وزارة الداخلية التسجيل الإلكتروني الحصري كوسيلة وحيدة للترشح، وذلك انطلاقًا من 23 ديسمبر 2025 إلى غاية 23 جانفي 2026. ويُعد هذا الخيار جزءًا من سياسة رقمنة مسارات الانتداب، لكنه في المقابل يحمّل المترشحين مسؤولية كبرى في تعمير المعطيات بدقة، إذ يتم رفض أي مطلب يحتوي على أخطاء أو نقص في البيانات بشكل آلي ودون إمكانية التدارك.
ولا يُطلب من المترشحين في هذه المرحلة إرسال ملفات ورقية، حيث تقتصر العملية على التسجيل عن بعد فقط، على أن يتم لاحقًا استدعاء المقبولين مبدئيًا لإيداع ملفاتهم وفق بلاغ رسمي يصدر في الإبان.
شروط المشاركة: انتداب مبني على الجدارة لا الأقدمية
حددت وزارة الداخلية جملة من الشروط القانونية والعلمية للمشاركة في المناظرة، أبرزها وجوب الترسيم بعمادة المهندسين التونسيين، والحصول على شهادة مهندس وطنية أو شهادة معترف بمعادلتها. كما تم ضبط سن أقصى للمشاركة في حدود 40 سنة، طبقًا للنصوص القانونية الجاري بها العمل.
ويعكس هذا الإطار حرص الإدارة على استقطاب كفاءات قادرة على العطاء الميداني وتحمل المسؤوليات التقنية داخل البلديات، خاصة في ظل تعقّد المشاريع العمومية وتزايد المتطلبات الرقابية والإدارية.
مراحل المناظرة: من الترتيب الآلي إلى الاختبار الشفاهي
تمر المناظرة بمرحلتين أساسيتين. تعتمد المرحلة الأولى على دراسة الملفات والترتيب الآلي، وفق معايير مضبوطة تجمع بين معدل شهادة الباكالوريا ومعدلات سنوات التكوين الهندسي الثلاث، مع اعتماد ضوارب مختلفة لتحقيق نوع من التوازن بين المسار الدراسي القديم والتكوين الجامعي المتخصص.
ويتم استدعاء عدد من المترشحين لا يقل عن عشرة أضعاف عدد الخطط المطلوبة لتقديم ملفاتهم، قبل المرور إلى المرحلة الثانية، وهي اختبار شفاهي في الاختصاص يخضع لبرنامج رسمي. وتُعتبر هذه المرحلة حاسمة، إذ تُمكّن لجان المناظرة من تقييم القدرات التحليلية والعملية للمترشحين، ومدى استعدادهم للعمل داخل محيط بلدي يتطلب سرعة القرار ودقة التنفيذ.
السياق العام: لماذا تحتاج البلديات إلى هذا الانتداب؟
يأتي هذا الانتداب في سياق تعرف فيه البلديات ضغطًا متزايدًا، سواء من حيث حجم المشاريع أو من حيث تطلعات المواطنين. فقد أفرزت السنوات الماضية نقصًا واضحًا في الإطارات الهندسية، ما أدى في عديد الحالات إلى تعطّل مشاريع، أو ضعف في المتابعة الفنية، أو لجوء البلديات إلى حلول ترقيعية.
كما أن توسّع صلاحيات الجماعات المحلية، رغم ما رافقه من إشكاليات، جعل الحاجة ملحّة إلى كفاءات قادرة على التخطيط والإنجاز والمراقبة، وهو ما يفسّر حجم هذه المناظرة وتنوع اختصاصاتها.
تحليل أو تعليق خاص من فريق تحرير تونس 33
تمثل هذه المناظرة، من زاوية تحليلية، اختبارًا حقيقيًا لإرادة الدولة في دعم اللامركزية ليس فقط تشريعيًا، بل عمليًا وبشريًا. فانتداب مهندسين دون توفير بيئة عمل واضحة، ومسار مهني محفّز، قد لا يحقق النتائج المرجوة على المدى المتوسط.
كما يطرح توزيع المهندسين على 145 بلدية تحديًا إضافيًا، يتمثل في تفاوت الإمكانيات بين البلديات، سواء من حيث الموارد المالية أو من حيث القدرة على استيعاب الكفاءات الجديدة. وهو ما يستوجب، بالتوازي مع الانتداب، مراجعة منظومة التصرف البلدي وتعزيز آليات المتابعة والتكوين المستمر.
ويبقى الرهان الأساسي هو تحويل هذا الانتداب من مجرد أرقام إلى قيمة مضافة حقيقية تنعكس على جودة الخدمات العمومية، وسرعة إنجاز المشاريع، واستعادة ثقة المواطن في الإدارة المحلية.
المصدر: فريق تحرير موقع تونس 33، المرجع: وزارة الداخلية التونسية

















