وطنيةسياسة

عاجل / توتر تونسي–فرنسي: غضب في باريس من قرار الرئيس قيس سعيّد..

توتر في العلاقات: قرار قيس سعيّد يثير استياء الجانب الفرنسي

عاد ملف التعاون الأمني بين تونس والجزائر إلى واجهة الجدل السياسي والإعلامي، بعد تقرير لصحيفة فرنسية أعاد طرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الشراكة الثنائية، وحدود القرار السيادي التونسي، في مرحلة إقليمية دقيقة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع الأزمات الاقتصادية والضغوط الجيوسياسية.

الجدل هذه المرة لا يرتبط فقط بمضمون الاتفاق، بل بسياقه، وتوقيته، وطريقة إدارته، في ظل مناخ داخلي يتسم بحساسية مفرطة تجاه كل ما يمس مفهوم السيادة الوطنية.

خلفية الاتفاق: تعاون قديم بقراءة جديدة

تعود جذور التعاون الأمني بين تونس والجزائر إلى عقود طويلة، فرضتها طبيعة الحدود المشتركة والتحديات الأمنية العابرة، خاصة في ملف الإرهاب والجريمة المنظمة. غير أن الاتفاق الأخير، الموقع خلال أكتوبر الماضي، أعاد فتح النقاش حول ما إذا كان هذا التعاون ما يزال متوازنًا، أم أنه دخل مرحلة جديدة تتجاوز التنسيق التقليدي.

وفق ما تم تداوله، فإن الاتفاق تم بطلب تونسي، وتم تقديمه رسميًا باعتباره تحيينًا لترتيبات سابقة، غير أن تسريبات لاحقة أعادت طرح أسئلة لم تُجب عنها السلطات بشكل تفصيلي، ما فتح الباب أمام تأويلات متباينة داخل الرأي العام.

تسريبات ووثائق: لماذا تفجّر الجدل الآن؟

الاهتمام الشعبي والسياسي بالملف تصاعد بعد تداول وثائق قيل إنها تكشف بنودًا دقيقة تتعلق بكيفية التدخل الأمني، وآليات التنسيق الميداني، وتحمل الأعباء المالية. اللافت في هذا السياق أن هذه المعطيات لم تُعرض للنقاش المؤسساتي، ولم تمر عبر قنوات تشريعية، ما عزز الشعور بوجود فجوة تواصل بين السلطة والمجتمع.

في بلد عاش تحولات سياسية عميقة منذ 2011، باتت مسألة الشفافية في الملفات السيادية مطلبًا لا يمكن تجاوزه، خاصة حين يتعلق الأمر بوجود قوات أجنبية محتملة داخل التراب الوطني، مهما كان المبرر الأمني.

البعد المالي والسيادي: نقطة القلق الحقيقية

أحد أكثر الجوانب إثارة للحساسية في هذا الملف يتمثل في الشق المالي والالتزامات المترتبة عنه. ففكرة تحميل الدولة التونسية كلفة عمليات مشتركة، في ظل وضع اقتصادي هش، تطرح تساؤلات حول الأولويات والقدرة على الالتزام طويل المدى.

كما أن أي حديث عن تعويضات غير نقدية، أو ربط التعاون الأمني بموارد سيادية، يُنظر إليه داخل تونس باعتباره خطًا أحمر، لما يحمله من رمزية تاريخية مرتبطة بالاستقلال والقرار الوطني الحر.

قيود محتملة على السياسة الخارجية؟

من بين النقاط التي أثارت نقاشًا واسعًا، ما راج حول وجود التزامات تُقيد حرية تونس في إبرام اتفاقيات أمنية أو عسكرية مع أطراف أخرى دون تنسيق مسبق. إن صحّ ذلك، فإن الأمر يتجاوز التعاون الثنائي إلى إعادة رسم هامش الحركة الدبلوماسية التونسية.

في هذا السياق، يرى مراقبون أن تونس تجد نفسها اليوم أمام معادلة صعبة: الحاجة إلى دعم أمني إقليمي من جهة، والحفاظ على استقلال قرارها الاستراتيجي من جهة أخرى.

قراءة في الموقف الجزائري

لا يمكن فصل هذا الملف عن التحولات الإقليمية الأوسع، حيث تسعى الجزائر إلى تعزيز موقعها كفاعل أمني مركزي في شمال إفريقيا والساحل. هذا التوجه يُقرأ في تونس بعيون مختلفة؛ فبين من يراه دعمًا ضروريًا في مواجهة المخاطر المشتركة، ومن يعتبره تمددًا طبيعيًا لقوة إقليمية تبحث عن تثبيت نفوذها.

في كل الحالات، تبقى العلاقة التونسية الجزائرية محكومة بتاريخ من الحذر المتبادل، رغم التقارب السياسي المعلن بين قيادتي البلدين.

ردّ قصر قرطاج: نفي وتشديد على السيادة

في مواجهة ما أُثير، جاء رد رئيس الجمهورية قيس سعيد حادًا، مؤكدًا أن السيادة الوطنية غير قابلة للنقاش، وأن الدولة التونسية لا تقبل بأي وصاية أو تدخل. واعتبر أن ما يتم تداوله يدخل في إطار محاولات التشويش، مؤكدًا أن القرار التونسي مستقل، وأن مؤسسات الدولة تعمل وفق ما يفرضه الدستور والمصلحة العليا للبلاد.

هذا الخطاب، وإن طمأن جزءًا من الشارع، لم يُنهِ النقاش، بل زاد من المطالبة بتوضيحات قانونية ومؤسساتية أكثر تفصيلًا.

تحليل أو تعليق خاص من فريق تحرير تونس 33

يعكس هذا الملف إشكالًا أعمق في المشهد التونسي، يتمثل في غياب النقاش العمومي حول القضايا السيادية الكبرى. فالتعاون الأمني، مهما كانت ضرورته، لا يمكن أن يُدار بمنطق الغرف المغلقة، خاصة في دولة تمر بمرحلة إعادة بناء الثقة بين السلطة والمجتمع.

كما أن التوازن بين متطلبات الأمن واحترام السيادة يظل معادلة دقيقة، تحتاج إلى رؤية استراتيجية واضحة، تُحدد الخطوط الحمراء، وتُشرك المؤسسات، وتُجنب البلاد الوقوع في تأويلات خارجية تُستغل سياسيًا أو إعلاميًا.

خاتمة: بين الضرورة الأمنية وواجب الشفافية

يبقى اتفاق التعاون الأمني بين تونس والجزائر اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة التونسية على إدارة ملفاتها الحساسة بوضوح ومسؤولية. فالأمن ضرورة، لكن السيادة شرط، والشفافية هي الجسر الوحيد بينهما.

وفي ظل تزايد الضغوط الإقليمية والدولية، تبدو تونس مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتقديم رواية رسمية دقيقة، تُغلق باب الشك، وتحفظ علاقاتها الإقليمية دون المساس بثوابت الدولة الوطنية.


المصدر: فريق تحرير موقع تونس 33، المرجع: موقع لوفيغارو الفرنسي

تعليقات فيسبوك

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock